يتزامن التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة حول العالم مع ظهور احتياجات جديدة أمام قطاع التأمين، في ظل تنامي الاستثمارات في محطات الطاقة الشمسية ومزارع الرياح وأنظمة تخزين الكهرباء، وما يصاحب هذه المشروعات من مخاطر فنية وتشغيلية ومناخية وتكنولوجية.

ومع زيادة حجم الأصول المرتبطة بالطاقة النظيفة، لم يعد دور شركات التأمين مقتصرًا على توفير التغطيات التقليدية، وإنما أصبح القطاع مطالبًا بتطوير حلول تتناسب مع طبيعة المشروعات الجديدة، خاصة في ظل الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا والأنظمة الرقمية.. ويستعرض "خمسة سياسة" الطريق الذي قد يسلكه التأمين المصري.

نمو الطاقة المتجددة 

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن استهلاك الطاقة المتجددة في قطاعات الكهرباء والحرارة والنقل مرشح للنمو بنحو 60% خلال الفترة من 2024 وحتى 2030.

كما تتوقع الوكالة تجاوز إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة 17 ألف تيراواط/ساعة بحلول 2030، بزيادة تقارب 90% عن مستويات عام 2023.

ومن المنتظر أن تصل حصة الطاقة المتجددة إلى نحو 46% من إجمالي إنتاج الكهرباء عالميًا بحلول 2030، فيما يُتوقع أن تمثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وحدهما قرابة 30% من الإنتاج العالمي.

وتعني هذه الزيادة المتوقعة توسع قاعدة المشروعات والمنشآت التي تحتاج إلى حماية تأمينية، وهو ما يوفر أمام شركات التأمين مساحة جديدة للنمو، خاصة في الأسواق التي تشهد توسعًا في مشروعات الطاقة النظيفة.

تحديات على شركات التأمين

وفي المقابل، تفرض مشروعات الطاقة المتجددة مجموعة من المخاطر التي تتطلب خبرات فنية أكثر تخصصًا، إذ تختلف طبيعتها عن كثير من المخاطر المرتبطة بمشروعات الطاقة التقليدية.

وتشمل هذه المخاطر الأعطال الفنية التي قد تتعرض لها توربينات الرياح، والمشكلات المرتبطة بأنظمة تخزين الطاقة، وعلى رأسها احتمالات الانفلات الحراري في البطاريات، إلى جانب الأضرار الناتجة عن الظروف المناخية القاسية.

كما أصبحت الهجمات السيبرانية أحد الملفات التي يتعين على شركات التأمين وضعها في الاعتبار، مع اعتماد منشآت الطاقة الحديثة بصورة أكبر على الأنظمة الرقمية في عمليات التحكم والإدارة والتشغيل.

التغطية التأمينية تمتد طوال عمر المشروع

وتحتاج مشروعات الطاقة المتجددة إلى حلول تأمينية تبدأ قبل دخول المشروع مرحلة التشغيل، بحيث تشمل مراحل التصميم والإنشاء ونقل المعدات وتركيبها، ثم تمتد إلى التشغيل والصيانة.

ويختلف حجم وطبيعة التغطية المطلوبة وفقًا لمكونات كل مشروع والتكنولوجيا المستخدمة وموقعه والظروف المحيطة به، ما يجعل تقييم المخاطر خطوة أساسية قبل تحديد شروط وثيقة التأمين وقيمتها.

وتدفع هذه المتطلبات شركات التأمين إلى تطوير أدواتها الفنية بدلًا من الاعتماد على نماذج موحدة لا تراعي الاختلاف بين مشروعات الطاقة الشمسية والرياح وتخزين الكهرباء.

الخبرات المتخصصة شرط أساسي

ويبرز الاستثمار في العنصر البشري باعتباره أحد أهم متطلبات التعامل مع هذا السوق، إذ تحتاج شركات التأمين إلى كوادر قادرة على فهم الجوانب الهندسية والتكنولوجية المرتبطة بمشروعات الطاقة المتجددة.

ويتطلب ذلك التوسع في برامج التدريب ورفع كفاءة العاملين، إلى جانب الاستفادة من خبرات المتخصصين والجهات العلمية والفنية، بما يساعد على تحسين عمليات تقييم المخاطر والاكتتاب وتسعير التغطيات.

البيانات تعيد تشكيل تقييم المخاطر

ولا يتوقف تطوير التأمين على العنصر البشري، إذ أصبحت التكنولوجيا وتحليل البيانات أدوات مهمة في تقدير المخاطر المرتبطة بالمشروعات الجديدة.

ويمكن الاستفادة من النماذج المناخية وتحليل البيانات التاريخية والتقنيات الحديثة في تحديد احتمالات الخسائر بصورة أكثر دقة، إلى جانب تصميم منتجات تأمينية تتناسب مع طبيعة المخاطر المتغيرة.

وتبرز الحاجة بشكل خاص إلى حلول متخصصة تغطي مخاطر أنظمة تخزين الكهرباء والهجمات السيبرانية التي قد تستهدف البنية الرقمية لمنشآت الطاقة.

التعاون بين شركات التأمين والمستثمرين

ويحتاج نمو هذا النشاط إلى تعاون أكبر بين شركات التأمين والمطورين والمستثمرين والخبراء الفنيين والجهات المعنية بقطاع الطاقة.

ويساعد تبادل المعلومات والخبرات بين هذه الأطراف على تحسين فهم طبيعة المخاطر، ورفع كفاءة عمليات الاكتتاب، والوصول إلى وثائق تأمينية أكثر ملاءمة لطبيعة المشروعات واحتياجات المستثمرين.

كما يمكن لهذا التعاون أن يعزز قدرة قطاع التأمين على مواكبة التطورات المتلاحقة في تقنيات الطاقة المتجددة، بدلًا من التعامل مع المخاطر بعد ظهورها فقط.

التأمين المصري أمام فرصة للتوسع

ومع استمرار ضخ الاستثمارات في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتخزين الكهرباء، تتشكل أمام قطاع التأمين المصري فرصة للدخول بصورة أكبر في سوق متخصصة ذات احتياجات متنامية.

لكن الاستفادة من هذه الفرصة تتطلب تطوير الخبرات الفنية، وتوظيف التكنولوجيا والبيانات، وتصميم منتجات تأمينية قادرة على التعامل مع المخاطر المناخية والتشغيلية والتكنولوجية والسيبرانية.

وبذلك يمكن أن يصبح التوسع في الطاقة المتجددة أحد المجالات الجديدة لنمو قطاع التأمين، بالتوازي مع دوره في حماية الاستثمارات وضمان استمرارية المشروعات في مواجهة المخاطر المتزايدة.